أحمد بن محمد الحضراوي
235
نزهة الفكر فيما مضى من الحوادث والعبر في التراجم رجال القرن الثاني عشر والثالث عشر قطعة منه
والأمراء . وفي سنة خمس « 1 » وثلاثين ومئتين وألف بعد وفاة سليمان باشا الذي تولى على صيدا بعد أحمد باشا الجزار من طرف الدولة العلية تولى عبد الله باشا والي عكّة ، كان عديم الثبات في أعماله ، وكان يفرض على الأهالي مطاليب شاقة ، ويحمّلهم ما لا تطيق أنفسهم ، حتى كانت أهالي المدن يفرون إلى الجبال خوفا من ظلمه ، وكان يطلب من الأمير بشير حاكم جبل لبنان المذكور أموالا غزيرة على طريق القرض ، ولا يحاسبه بها ، وكان يرسل له هدية ، ثم يعود فيطلبها منه . وللأمير بشير أخبار في الكرم وأمن الطريق ؛ منها ما أخبرني به العلامة الشيخ محمد مراد مدرّس المسجد الحرام قال : كان الأمير جالسا يوما في محل إمارته إذ مر إنسان وقال : أطال الله بقاء عمر الأمير بشير . قال له : ولأي موجب هذا الدعاء ؟ قال : لأني البارحة بالليل وجدت امرأة معها متاع تمشي به في الجهة الفلانية ، وكانت سابقا مخيفة ، وهي تمشي لحالها ، لم أحد يذعرها « 2 » . قال له الأمير : وما الذي قلت لها ؟ قال : لم أقل لها شيء ، غير أني تعجبت من هذا الأمن الواقع في أيامك ، فقلت لها : أطال الله عمر الأمير بشير الذي في زمنه امرأة تمشي في هذا المحل بغير رفيق أو خفير ، ولا تخاف . فقال لجنده : خذوا هذا الرجل وعاقبوه . قال له : ولم يا أمير ، وأنا لم أتعرض لها بسوء ؟ قال له : لأنك روّعتها بهذا الكلام في محل خوف . وقد مدحه جملة من الشعراء بالكرم وأثنوا عليه ، منهم الفاضل أمين أفندي ابن الجندي « 3 » العكّي ؛ وقد ذكرت ذلك في ترجمته
--> ( 1 ) في الأصل : « خمسة » . ( 2 ) كذا الأصل ، على الدارجة ، فصحيحها : لا أحد . ( 3 ) تقدمت ترجمته في الرقم 88 .